القاضي عبد الجبار الهمذاني

170

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الظاهر على مدّعى النبوّة ، أنه حادث عند دعواه ، على وجه لولاه ، ولولا صحة نبوّته لما ظهر ، فيجب أن يكون دالا ، واختلاف أحواله لا يؤثر في هذا الباب . . يبين ذلك : أنه لو كان المعتبر بأن يتقدم العلم بحال ذلك الأمر الظاهر لوجب مثله في الشاهد ، فكان يجب أن لا يدل ظهور الشعر والخطب ممن يختص بهما ، على تقدّم في العلم ، بأن يجوّز أن ذلك قد كان حادثا ، وأن المختص به لم ينشده ، بل أخذه عن غيره ؛ وهذا يطرق باب الجهالات ، في دلالة الفعل على أحوال الفاعل . . يبين ذلك : أنه قد ثبت أن إحياء الموتى حادث لا محالة من قبله تعالى ، وأن نقل الجبال ، وقلب المدن ، إلى ما شاكلهما ، قد يجوز ، بل قد يقطع على حدوثهما من قبل من ادّعى النبوّة ولم يمنع ذلك من كونه دالا ، على الوجه الّذي ذكرناه ، وهو أنه مما قد علم أنه لولا صدقه في ادّعاء النبوّة لما ظهر ، وإن خالف حالهما حال إحياء الموتى ؛ وكذلك فلو جعل دليل نبوّته أنه يمتنع على الناس القيام والقعود . أو يتفق من العالم تصديقه ، والخضوع له ، عند أوّل وهلة لكان ذلك يدل كدلالة إحياء الموتى من الوجه الّذي بيناه ؛ وإن كانت الحال مختلفة ، فبعض ذلك حادث من قبله تعالى ، وبعضه يكشف عن أمر قد حدث من قبله ، وبعضه يكشف عن تغيير أحوال العقلاء في الدعاوى ، إلى غير ذلك ؛ فكذلك القول في ظهور القرآن : أنه يجب أن يكون دالا ، وإن لم يعلم المفكر « 1 » أنه ابتداء أو ابتدئ في الحال ، لأن حاله ، وهو كذلك ، كحاله لو كان مبتدأ في الوقت ؛ كما أن حال نقله الجبال عن قدرته ، كحاله لو كان القديم تعالى فعله ؛ وعلى هذا الوجه قلنا : إن المبتدئ بالاستدلال على تعلق الفعل بالفاعل ، ودلالته على أنه قادر قد يصح استدلاله ، متى علم تعلقه بأحواله ، وإن لم يتفكر

--> ( 1 ) كذا في « ص » ، « ط » .